ابن قيم الجوزية

161

الروح

ربها ، فيقضي أمره ويكتب كتابه من أهل عليين ، أو من أهل سجين ، ثم تعود إلى القبر للمسألة ، ثم ترجع إلى مقرها التي أودعت فيه ، فأرواح المؤمنين في عليين بحسب منازلهم وأرواح الكفار في سجين بحسب منازلهم . فصل [ الرد على من قال أن الأرواح في بئر زمزم ] وأما قول من قال : إن أرواح المؤمنين تجتمع ببئر زمزم ، فلا دليل على هذا القول من كتاب ولا سنّة يجب التسليم لها ، ولا قول صاحب يوثق به ، وليس بصحيح ، فإن تلك بئر لا تسع أرواح المؤمنين جميعهم ، وهو مخالف لما ثبتت به السنة الصريحة من أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة . وبالجملة : فهذا من أبطل الأقوال وأفسدها وهو أفسد من قول من قال أنها بالجابية فإن ذلك مكان متسع فضاء بخلاف البئر الضيقة . فصل [ هل الأرواح في البرزخ ؟ ] وأما قول من قال إن أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت فهذا مروي عن سليمان الفارسي ، والبرزخ هو الحاجز بين شيئين ، وكأن سلمان أراد في أرض بين الدنيا والآخرة مرسلة هناك تذهب حيث شاءت . وهذا قول قوي ، فإنها قد فارقت الدنيا ولم تلج الآخرة ، بل هي في برزخ بينهما ، فأرواح المؤمنين في برزخ واسع فيه الروح والريحان والنعم ، وأرواح الكفار في برزخ ضيق فيه الغم والعذاب قال تعالى : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 1 » ، فالبرزخ هنا ما بين الدنيا والآخرة وأصله الحاجز بين الشيئين . فصل [ الرد على من قال أنها على جانبي آدم ] وأما قول من قال إن أرواح المؤمنين عن يمين آدم وأرواح الكفار عن يساره فعلمر اللّه لقد قال قولا يؤيده الحديث الصحيح ، وهو حديث الإسراء ، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم رآهم كذلك ، ولكن لا يدل ذلك على تعادلهم في اليمين والشمال ، بل يكون هؤلاء عن يمينه في العلو والسعة ، وهؤلاء عن يساره في السفل والسجن .

--> ( 1 ) سورة المؤمنون ، الآية 100 .